سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي بالأسماء "من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟"

سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي بالأسماء “من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟”

سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي بالأسماء “من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟”

كتب / إيهاب مجدي الرخاوي
عنوان الكتاب كما هو بالعبرية، لأنه، كما يلوح لي، أكثر دقة؛ فهو يوميات Diaries وليس مذكرات Memories أو حتى سيرة ذاتية Autobiography. والنصوص الأصلية التي تركها يوسيف نحماني لم تنشر كاملة في هذا الكتاب، بل قام صديقه يوسيف فايتس بانتقائها وتحريرها.
وفي الترجمة العربية حُذف الجزء الأول وهو مراثٍ كتبها فيه أصدقاؤه ومعارفه (ص 8).
والكتاب ثلاثة أقسام:
الرسائل
اليوميات
بعض المدونات
العنوان الأصلي لهذا الكتاب هو “يوسيف نحماني: رجل الجليل”. أما عنوانه بالعربية فصار “مذكرات سمسار أراضٍ صهيوني”،
تغطي هذه اليوميات الفترة الممتدة بين سنة 1935 وسنة 1949، بينما تتسع الرسائل لتشمل عدداً من الوقائع التي جرت منذ سنة 1912 إلى ما بعد النكبة صعوداً حتى سنة 1964. ومشكلة الكتاب، مثل مشكلة جميع كتب اليوميات. هي أن جزءاً كبيراً من التفصيلات التي تكون مهمة في أوانها تصبح، بمرور الزمن، بلا أهمية.

المصادر الشحيحة

ما زالت قصة بيوع الأراضي في فلسطين، حتى اليوم، سائرة في الأفواه والأقلام من دون أي تبصر أو تمحيص، بل إنها باتت تهمة شائنة وُصم بها اللاجئون الفلسطينيون أينما حلّوا. ومع أن أربعاً وستين سنة قد مضت على النكبة، وصار من البدهي أن يكون أي عربي عارفاً تفصيلات هذه القضية بدقة، إلا أن الجهل حيناً، والعنصرية أحياناً، والكيدية في كثير من الأحيان، كان لها شأن كبير في استمرار الغموض الذي تجلببت به عمليات بيع الأراضي، ولم تنقشع غشاوة هذه القضية بتفصيلاتها كلها حتى اليوم.
ولعل من أسباب ذلك أن المصادر الدقيقة والعلمية غير متاحة تماما، وهي قليلة جداً في أي حال، وبعضها مجرد نُقول، حتى بالأغلاط الرقمية، عن مصادر سابقة.
وليس بين أيدي القراء العرب إلا مصادر أولية في هذا الشأن مثل كتاب صالح مسعود أبو يصير (“جهاد شعب فلسطين”، بيروت: دار الفتح، 1968)،
وكتاب هند أمين البديري (“أراضي فلسطين”، القاهرة: جامعة الدول العربية، 1998)،
وكتاب يعقوب الخوري (“أملاك العرب وأموالهم المجمدة في فلسطين”، القاهرة: دار الهنا، د. ت.)،
وبعض كتابات سامي هداوي ومعظمها بالإنجليزية.
أما المصادر الصهيونية المتاحة بالعربية فتكاد تكون معدومة أيضاً ما عدا كتاب جاك كانو (“مشكلة الأرض في الصراع القومي بين اليهود والعرب: 1917 ـ 1990″، حركة فتح ـ مكتب الشؤون الفكرية، 1992)،
وكتاب تمار غوجانسكي (“تطور الرأسمالية في فلسطين” ـ ترجمة حنا ابراهيم، منظمة التحرير الفلسطينية ـ دائرة الثقافة، 1987)، وغيرها قليل جداً.
من المعروف أن المعلومات الإحصائية عن بيوع الأراضي الفلسطينية ما زالت متضاربة جداً. فثمة مصادر تذكر أن الصهيونيين امتلكوا حتى سنة 1948 أكثر من مليوني دونم.
بينما تذكر مصادر أخرى أنهم امتلكوا 1,734 ألف دونم. وتذكر إحدى المقالات أن مجموع ما اشتراه الصهيونيون من الفلاحين الفلسطينيين مباشرة، أي باستثناء ما استولوا عليه من حكومة الانتداب وما اشتروه من المالكين الغائبين، لم يتعدَّ 68 ألف دونم.
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنها تكشف ما صار مكشوفاً إلى حد بعيد، أي الطرائق المتعددة التي استعملها الصهيونيون الأوائل في استملاك أراضي الفلسطينيين، وفي اقتلاع الفلاحين منها، وهي وثيقة دامغة للمالكين الغائبين الذين لم يتورعوا عن بيع اليهود ممتلكاتهم، وتركهم الفلاحين العرب لأقدارهم.
ويورد الكتاب معلومات أولية عن بداية تنظيم «الدفاع» عن المستوطنات في سنة 1920 حين ظهرت شرطة الخيّالة بعدما تعرضت مستعمرات الجليل مثل مشمار هايردن لهجمات الفلاحين العرب (ص 46)، غير أن الكتاب يكشف أن الصدامات الأولى بدأت، لا مع الفلاحين العرب كما هو شائع، بل مع البدو الذين كانوا يستعينون بقبائل حوران للإغارة على المستوطنات في طبرية وجوارها، ولا سيما مستعمرتي دغانيا أودغانيا ب (ص 52).
أما كلمة “العرب” فهي ترد في هذه الترجمة بمعنى البدو أحياناً، وكان يجب ترجمتها إلى “الأعراب”، وأحياناً بمعنى المواطنين العرب. ويتحدث الكتاب أيضاً عن بدايات صناعة السلاح في “الييشوف” وكيف حاول الصهيونيون آنذاك ملاءمة الذخيرة التركية مع البنادق الألمانية التي كانوا يمتلكونها. ويرسم الكاتب صورة واقعية غير زاهية للعمل الصهيوني في فلسطين تخالف الكلام التعبوي والأيديولوجي على الطلائع الأولى فيقول: “حياة الرفاق مسمومة. الواحد منهم لا يحتمل رفيقه، والعمل يسير من دون نظام” ( ص 40).

رجل الجليل

ولد يوسيف نحماني في روسيا في سنة 1891، وهاجر إلى فلسطين في سنة 1907. ولدى وصوله عمل في كروم القدس، وفي مستوطنة زخرون يعقوف، ثم انضم إلى حزب بوعالي تسيون (عمال صهيون). وفي سنة 1911 انضم إلى منظمة هاشومير (الحارس) في الجليل، وبقي عضواً فيها حتى سنة 1920 حين التحق بالشرطة العبرية كشرطي خيّال.
لكن الميدان الأبرز الذي برع فيه هو استملاك الأراضي لمصلحة “الصندوق القومي الإسرائيلي” (هكيرن هكييمت ليسرائيل)، فعين مديراً لمكتب الصندوق في طبرية الذي كان نطاق عمله يشمل الجزء الشرقي من الجليل، أي الحولة وغور الأردن الشمالي من بيسان إلى طبرية وسمخ وحتى مشارف صفد.
وعلى الرغم من انهماكه في هذا الميدان الحساس، إلا أنه ظل محدود الأفق سياسياً، فلم يفهم لماذا كان دافيد بن غوريون غير متحمس لعمليات شراء الأراضي. والجـواب بسيط جداً؛ فبن غوريون بدأ يخـطط لاحتلال الأرض بالقوة العسكرية بعد تقرير لجنة بيل في سنة 1937 (وليس قرار لجنة بيل كما ورد في ص 14) الذي أوصى بتقسيم فلـسطين، ولم يكن يرغب في تبذير الأموال على عمليات استملاك متعبة ومحدودة (المقدمة، ص 12).
تمكن نحماني من تأسيس صداقات متشعبة مع الفلسطينيين، لكنه وظف علاقاته كلها في خدمة عمليات شراء الأراضي. ومن الأشخاص الذين ارتبطوا به بعلاقات متشعبة كل من خليل فرنسيس والمطران عقيل (اليد اليمنى للبطريرك الماروني آنذاك) والياس نمور (من بيروت) وعبد الحسين بزي (من بنت جبيل) وعبد الغني مارديني ونعيم شقير (من ميس الجبل) ونسيب غبريل (من حاصبيا) وعلي العبد الله وخليل فرحات وعادل بدير وغيرهم.

مَن باع الأرض؟

في أواخر نيسان 1997 نشرت صحيفة “فصل المقال” التي كانت تصدر في الناصرة قائمة بأسماء بعض الفلسطينيين المشهورين ممن باعوا اليهودَ بعض أراضيهم بين سنة 1918 وسنة 1945. واستندت هذه القائمة إلى وثيقة بريطانية من عهد الانتداب البريطاني. وكان العنوان الذي اختارته “فصل المقال” لقائمتها هو “الآباء القابضون” التي ضمت الأسماء التالية:
محمد طاهر الحسيني (والد الحاج أمين)
موسى كاظم الحسيني
موسى العلمي
واغب النشاشيبي
ابراهيم الفاهوم ويوسف الفاهوم وتوفيق الفاهوم
يعقوب الغصين
وهؤلاء من أبرز الشخصيات الفلسطينية التي قادت الحياة السياسية في فلسطين قبل النكبة.
وقامت القيامة ولم تقعد على “فصل المقال”. (أنظر: جريدة “النهار” 30/5/1997). غير أن هذه الأسماء وغيرها كانت متداولة بين المؤرخين والدارسين إلى حد ما؛ فجاك كانو يذكر في كتابه “مشكلة الأرض” (ص 49)، بعض البائعين العرب أمثال موسى العلمي وعائلة روك وعوني عبد الهادي رئيس حزب الاستقلال الذي يتهمه جاك بأنه كان على صلة ما في قضية بيع أراضي وادي الحوارث (عيمق حيفر)، علاوة على القاضي الدكتور كنعان الذي لم يُحدّد اسمه الأول.
ومع ذلك فإن ما يكشفه يوسيف نحماني مشين بجميع المقاييس ولا سيما قصة شرائه جبل الهراوي وأراضي قرية العديسة (600 دونم) وجاحولا والبويزية في سنة 1938، وكذلك أراضي قرى ميس الجبل والمطلة والمنارة وقَدَس والمالكية ومعدر وعولم في سنة 1945.
وفي هذا الميدان يورد نحماني أسماء البائعين في المنطقة التي عمل فيها أمثال
الياس قطيط الذي باع خربة صبح (6 آلاف دونم) فأقيمت على أراضيها مستوطنتا حانيتا وأيلون.
وباع أمير عرب الفاعور في سنة 1939 أراضي قرية الخصاص التي ارتكبت الهاغاناه فيها مذبحة مشهورة في 18/12/1947.
وتمكن نحماني من شراء أراضٍ في الزوية وقَدَس وهونين من آل فرحات في سنة 1944.
ويورد أسماء آخرين من بائعي الأراضي أمثال
أحمد الأسعد ومحمود الأسعد
وصليب صبح (من صفد)
كامل الحسين
أحمد مارديني
زكي الركابي الذي باع أراضي قرية خيام الوليد.
وفي هذه اليوميات لا يترك نحماني أي شك في شأن تعاون كامل الحسين زعيم عرب الغوارنة في الحولة في عمليات بيع كثيرة.
ثمة ما هو مفاجئ في هذه اليوميات حقاً،
فهي تروي أن الأمير خالد شهاب كان متعاوناً مع الكاتب، ويُعدّ أحد المتعاطفين مع اليهود، وأنه زاره بنفسه في بيروت في 31/5/1936 وتلقى منه بعض النصائح (ص 57).
لكن القول الشائع عن الأمير خالد شهاب هو أنه “جاعْ وما باعْ” لأنه رفض أن يبيع اليهودَ بعض أملاكه في فلسطين، بات مكشوفاً فيه. فالكتاب يزعم أن الوسيط الياس بشوتي تفاوض مع نحماني على بيع أراضٍ للأمير خالد شهاب مساحتها 4 آلاف دونم في قرية الغابسية بسعر 19 ليرة للدونم.

محاكمة جديدة

بلغ مجموع ما امتلكه الصهيونيون من أرض فلسطين عشية الحرب العالمية الأولى 418 ألف دونم. وبلغ مجموع الأراضي التي امتلكها اليهود في سنة 1948 نحو 1734 ألف دونما (ولدى أبو يصير 207000 دونم).
وفي جميع الحالات لم تزد ملكية اليهود على 5,7% من أراضي فلسطين حين صدر قرار التقسيم في 29/11/1947.
ومع ذلك، من أين حصل اليهود على هذه المساحات الأكثر خصباً في فلسطين؟ لقد حصلوا عليها، عدا البائعين الفلسطينيين، من بعض أفراد العائلات التالية:
1- آل سرسق اللبنانيون (ميشال ويوسف ونجيب وجورج) وهؤلاء باعوا أراضي الفولة ونورس وجنجار ومعلول في سنة 1910، ثم باعوا مرج ابن عامر بين سنة 1921 وسنة 1925، وبلغ مجموع ما باعه أفراد هذه العائلة 400 ألف دونم.
2- آل سلام اللبنانيون الذي حصلوا في سنة 1914 على امتياز تجفيف مستنقعات الحولة من الدولة العثمانية، واستثمار الأراضي المستصلحة، لكنهم تنازلوا عنها للوكالة اليهودية. وبلغت المساحة المبيعة 165 ألف دونم.
3- آل تيان اللبنانيون (أنطون وميشال) الذين باعوا وادي الحوارث في سنة 1929 ومساحته 308 آلاف دونم.
4- آل تويني اللبنانيون الذين باعوا أملاكاً في مرج ابن عامر وقرى بين عكا وحيفا مثل نهاريا وحيدر وانشراح والدار البيضاء. وقام بالبيع ألفرد تويني.
5- آل الخوري اللبنانيون الذين باعوا أراضي قرية الخريبة على جبل الكرمل والبالغة مساحتها 3850 دونماً. وقام بالبيع يوسف الخوري.
6- آل القباني اللبنانيون الذين باعوا وادي القباني القريب من طولكرم في سنة 1929، وبلغت مساحته 4 آلاف دونم.
7- مدام عمران من لبنان التي باعت أرضاً في غور بيسان في سنة 1931 مساحتها 3500 دونم.
8- آل الصباغ اللبنانيون الذين باعوا أراضيَ في السهل الساحلي.
9- محمد بيهم (من بيروت) الذي باع أرضاً في الحولة.
10- أسوأ من ذلك هو أن خير الدين الأحدب (رئيس وزراء) وصفي الدين قدورة وجوزف خديج وميشال سارجي ومراد دانا (يهودي) والياس الحاج أسسوا في بيروت، وبالتحديد في 19/8/1935 شركة لشراء الأراضي في جنوب لبنان وفلسطين وبيعها. وقد فضحت جريدة “ألفباء” الدمشقية هذه الشركة في عددها الصادر في 7/8/1937.
11- آل اليوسف السوريون الذين باعوا أراضيهم في البطيحة والزويّة والجولان من يهوشواع حانكين ممثل شركة تطوير أراضي فلسطين.
12- آل المارديني السوريون الذين باعوا أملاكهم في صفد.
13- آل القوتلي والجزائرلي والشمعة والعمري السوريون وكانت لهم ملكيات متفرقة باعوها كلها.
هؤلاء هم مَن وضع مساحات كبيرة من الأراضي بين أيدي الصهيونيين، علاوة على الأراضي التي كانت بين أيديهم أو التي منحتها لهم سلطات الانتداب الإنجليزي مثل امتياز شركة بوتاس البحر الميت (75 ألف دونم)،
وامتياز شركة كهرباء فلسطين أو مشروع روتنبرغ (18 ألف دونم)،
وقبل ذلك ما نالوه من الدولة العثمانية (650 ألف دونم)… وهكذا.
أما الفلاحون الفلسطينيون، ولا أقول المالكين الفلسطينيين الأثرياء الذين باعوا وقبضوا مثل غيرهم من المالكين العرب الغائبين، فقد جرى التحايل عليهم بطرق شتى، فسلبوهم القليل مما كان بين أيديهم من الأرض، وهو يتراوح بين 68 ألف دونم و150 ألف دونم.
في معمان ثورة 1936 جرى الاقتصاص من بعض بائعي الأرض ومن السماسرة العرب، فاغتيل عدد منهم، وامتنع الباقون عن الاستمرار في هذا العار. لكن الاقتصاص من المُلاّك الغائبين كان من المحال، فلم يقتص منهم أحد، بل باعوا أراضيَ ليست لهم في الأصل، بل آلت إليهم من خلال حق الانتفاع لا من ملكية الرقبة في العهد العثماني.
ولعل فضح انحطاط أصحاب تلك الأسماء، وكشف اللثام عما فعلوه في فلسطين، هما نوع من القصاص الرمزي، وهو الأمر الوحيد الممكن في هذا الميدان.
(جمع الكتاب وحرره يوسيف فايتس ونشره بالعبرية في سنة 1969. ثم أعده للترجمة العربية وقدّم له الياس شوفاني، وأصدرته دار الحصاد في دمشق سنة 2010) .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مقارنة بين الشاعر الفلسطيني الدكتور حاتم جوعيه وشعراء وفلاسفة عالميين تأثروا بالكتاب المقدس والتعاليم بقلم/ ختام حمودة يقول مارتِن هايْدغر الفَيْلسوفُ الألماني الذي تَكهَّنَ بفلسَفَة الأشياء "وَما القَلَق إلاّ حالة الخَوْف المُطلْقِ أمامَ العَراء المُطلق" ذلكَ الفيْلسُوفُ الألماني الَّذي عاشَ حياته بالقٌرْبِ مِنْ ضِفاف الجَمال الفَوْضَوْي حَوْلَ نَهْرِ النيكار في الرِّيف الألْماني حَيْثُ مَقايِيس الْجَمالِ المُطْلَقِ في وادي النيكار الذي عَّبرعَنْ جَمالِيَّة اللَّغة بِعِبارَةِ "إن لُغتِي هِي مسكنِيٌّ، وَهِي موطِنِيّ ومُستقِرِّيٌّ، وهِي حُدود عالمِيّ الحمِيمِ ومعَالِمِهِ وتَضَارِيسِه ومِن نوافذِها ومِن خِلال عُيُونِهَا أَنظر إِلَى بقِّيَّة أَرجاء الكونِ الواسِع ". مِنْ هُنا أبدأ بالتوغل بالفلسفة الجمالية في المخيلة الشعرية التي يَرَى الكَثيرونَ بأنَّ الشَّاعِر الألْماني هولدرلين كانَ يَسْرَحُ في بَراري الجَمَال المُفَلْسَف بِعَفَويَّةِ الْمَنْطِقِ المُجَرَّدِ مِنْ سَطْوَةِ تَبَرُّج وَبُهْرجِ الذَّات لا سَيَّما أنَّهُ عاصَرَ ثَوْرة التَّيار الرُّومانْتيكي الَّذي ظَهَرَ مَسارُهُ في أوروبا في القَرْن الثَّامِن عَشَر وَ أَخُصُّ بالذَّكْرِ أوروبا الغَرْبيَّة الَّتي شَهِدتْ ثُلَّةً منْ فُرْسان الأدَبِ والفلْسفةِ لكِنَّ * الكَثيرينَ يَنْتقدونَ أسلوبهُ الفَنّي الفلسَفي وذلك بِسَببِ التَّأطير العَقائِدي. يقول أرنست لوسين الفيلسوف الفرنسي صاحب مُؤَلَّف سلْسلة "فلسفة الروح" فيما يَخُصُّ فلسفة الرُّوح والجَمال بصفَة عامَّة أنَّ الفلْسفة هي"وصْف التَّجربة" فَما بالك في الشّعر الذَّي أُدْرجَ تحْت فلْسلفة الفنِّ وعلى ذِكْر الشِّعر و من خِلال هَذه الرُّؤية المُقْتَضَبة عَنْ ماهيَّة ارْتباطِ الشَّعْر بالفَلسَفةِ يَجْنحُ الأمْر بي مِنْ زاويةٍ خاصَّة كَوْني أكتبُ الشَّعر إلى القَناعة الضئيلة بأنَّ الفَلسَفة هي _ حَسَب رؤيْة الفيلسوف الفرنسي إرنست لوسين تلميذ هاملن"محاولةٌ لمَعْرفةِ الرُّوحِ" أي الشعور بماهية فلسفة الحبَ و الرُّوح والتَّعبير عنْها وفتْح نافِذة عَلى كَوامن الرُّوح منْ خِلال التَّعبير الشُّعوري الذَّهني عَلى مَساحات المُخيَّلة في هذا النَّصَ قُمْتُ باقْتباس الجُزْء الَّذي تكلَّم فيهِ إرنست لوسين عَن فلسَفة الجَمال (الفَن ) في كتابِهِ (فلْسفة الرُّوح) الصفحة (639) حيث يقول : ( أنَّ جوْهر الجَمال يَجِب أنْ يَكون موْضوعًا حِسّيًا أمَامَ الحَواسِّ وأنْ يَكون على أقَلِّ تقْديرٍ تَصْويرًا ذِهْنيا لموْصوعٍ حِسّيٍ كَما هوَ الحال في الشِّعْر والمادَّةِ الجميلةِ تتجه إلى الحَواس والعَقل والرُّوح لأنَّ الوجود الحسِّي المَحْض ليسَ جَميلا لكنَّهُ يُصْبح جَميلا حينَ يُدْرك العقلُ تألّق الفكْرة منْ خِلالهِ ) (5) إلى هُنا ينتهي نص الفيلسوف الفرنسي إرنست وأشيرُ مرَّة أخرى أن إرنست الفيلسوف الفرنسي يتَّفقُ مع الفيلسوف الألماني كانط في ماهيَّة فلسفةِ الجَمال و التّلقائية الذاتية لكنَّ الأخيرَ أضافَ على ماهيَّة فلسفة الجمال مبدأ التَّلاعب الحر في المُخيَّلة. أمَا منْ ناحيَةٍ تُعْنى بالفلسَفةِ بما يَخُصّ الفُنون يرَى هيجل الفيلسوف الألماني و خرَيج كلية اللاهوت أنَّ الرُّوح التَّي تَعي ذاتها منْ مَنْظور "الوَعي المطْلق" وهو يشيرُ لهذا المصْطلح إلى الفَن,العقيدة والفلسفة نعودُ إلى هولدرين مرَّة أخْرى ظَهرَتْ إحداثيَّات هذه النَّزْعة عنْد فريدرش هولدرلين (4) قبل أن يُصاب بمرض الشيزوفرينيا تحت ضَغْط عَوامِل حِسيّة داخليَّة متَداخلة وَمُترابِطة بالعَوامل الخَارِجِيَّة الَّتي تعرَّض لها مثْل المَورُوث العَقائدي والبيئة وإحْداثيات النَّشْأة والتَّكاثف العاطفي الغامِض الَّذي كانَ وًسيلة لانْبعاث الطَّاقات الهائلة المحبوسة في كَوامن روحِهِ بنزْعة فكرية فلسفية روحية خالصة وسلكَ في مدارِج الرُّوح والفلسفة الرُّوحانية للحب تحت الطابع الكلاسيكي الرُّومانتيكي حيث ظَهرتْ العقدة الرَّئيسية الَّتي جَنَحتْ بشعْرهِ نحوَ فلْسفة الحبِّ المرْتبطة بِمَفاهيم الجمال الدَّاخلي وماهيات الرُّوح البَعيدة عَن الغَريزة والشَّهوةِ الجَسَدية. بدتْ اللُّغة في شعْرهِ تسْتهلك الرُّؤى المتَّحدة مع الرُّوح المنْفلتة بكثْرة واضحة تحْت تأْثير اللاهوت و الحُب والفلسَفة المُقْترنة بتجرّد الذَّات الشَّاعرة من أَوَاطِرُ التَّكلف الذاتي والجنوح إلى التَّفلُّت العشْوائي لاسْتحضار ملامح الشّعر بحيث يتوافق الصَّوت الدَّاخلي والخارجي مع الصُّورة التي تَميلُ بعض الشَّيء إلى الكلاسيكي الرُّومانسي المتضامنْ مع الإيحاء التَّعبيري التَّخيُّلي والمعْرفة الخاصَّة الَّتي تُخاطب الخيالات التَّي تسْتمدُّ عنْفوانها وتناسخها من القُوى الباطنية المولّدة والباعِثة عَلى الابتكار. على وجهٍ آخَرٍ وَ مِنَ الوهلة الأولى أسْتشْعرُ وأتلمَّسُ ظلالَ وجمال النَّسْغِ الفلسفيّ الفنّي في معظم قصائد الشَّاعر عمرو فودة الذي درس في جامعة الإسكندرية في كليّة التربية وهو شاعر مصري أيضا لا يفوتني ذكر قصيدة (فلسَفَة الحُبِّ) للشَّاعر الفلسطيني الدكتور حاتم جوعية الذي درَس اللاهوتَ والفلسفةَ مِن الأكاديمية العالميَّة لعلومِ الَّلاهوت وأصْدر ديوانَهُ عاشق من الجليل في آخر التسعينات تقاربت كِلْتَا ** القَصيدَتَيْن الشاعر حاتم جوعية (1)"فلسفة الحب "من قصيدة الشَّاعر الألماني فريدريش هولدرلين(2) "ديـوتيـما" نجد أن المعشوقة ترتقي من ناحية اللاهوت إلى مرتبة (التَّقديس) ومرتبة (الحبّ الأبدي ) والتوغل في ( الحيّز الغارق في المدلولات التَّأملية الفلسفية ) في كوامن وخوالج النّفس الشَّاعرة بفلسفة وجْدانية بحْتة حيث خاطَبَ فريدريش هولدرلين حبيبته زوزيتّا التي خلَع عليها رداء الكاهِنة اليونانية ديوتيما فيالقصيدة التي حمَلتْ اسم الكاهنة اليونانية كعنوانٍ لها وجعلها برتْبةِ الحبيبة المقدسة . في نهاية البحث أودُّ ان أشير إلى أن التَّيار الفنومينولوجي قد لمح إلى ماهية الابداع و فن التَّأويل وفلسَفة الفهم على أنَّها ما خَرَج عن القانون وتمرَّد على نظام التَّقنين والتَّعبير المقتَصر فقط على مُحاكاة الذَّات الشَّاعرة برؤية تقتصر على مولِّدات تُفْضَي إلى حيّز ثريَ من العمليَّة التأمليَّة وثرثرة قياثير الخَيال. الغاباتِ السَّوْداء (1) :عبارة عن منطقة غابات جبلية في جنوب غرب ألمانيا (4) شاعر ولد في 20 مارس 1770 في مدينة لاوفن وأصيب بالجنون بعد وفاة حبيبته زوزيتّا (5) النص الذي بين القوسين مأخوذ من كتاب (فلْسفة الرُّوح) الصفحة (63

مقارنة بين الشاعر الفلسطيني الدكتور حاتم جوعيه وشعراء وفلاسفة عالميين تأثروا بالكتاب المقدس والتعاليم

مقارنة بين الشاعر الفلسطيني الدكتور حاتم جوعيه وشعراء وفلاسفة عالميين تأثروا بالكتاب المقدس والتعاليم بقلم/ ...