الشباك المغلق

بقلم د : شيرين العدوي
رائحة الفل الذي يجلس تحت الشباك تملأ أنفي وتعبق الحجرات التي تطل عليه من شقتي. صوت العصافير لا يكف عن السعي طول النهار. أصوات اليمام هنا وهناك وأيضا الحمام. عبر الهاتف تحدثت مع أمي الجميلة التي تبدو وحيدة تماما.
_ صباح الخير حبيبتي . _صباح النور _كيف حالك يا حبيبتي _الحمد لله. _صحتك كويسة ؟! _الحمد لله
أعرف قلبك المثقوب بالطاووس يا أمي كما يقول محمود درويش. لن تقولي لي شيئا حتى لو كنت مريضة. أعرف ما تعانيه من الوحدة لأني مثلك تماما. أعرف خوفك على قلبي من التألم وإباءك أن تظهري ذلك. “الحمد لله رب العالمين” تعني : أني بمفردي ولكن كيف أشكو ومعي الله؟! أعرفها جيدا كلمة “الحمد لله رب العالمين” التي أقولها دائما لكل من حولي مع إبتسامة كبيرة وربما ضحكة مجلجلة حتى لا يحس أحد ما بي. فلماذا أشعر الناس بتمزق قلبي بين الحياة والموت. لم يختبر الله صبري ولكن اختبر قلبي فجعله مشقوقا نصين : نصف مع الموت مع ابني الذي رحل. ونصف مع الحياة مع ابني الذي يعيش وحبى الذي ضاع مني في لحظة يأس كبرى من أن أكون موجودة في عمره. ما أصعب الحبين!! غيرت الموضوع تماما فكلانا يضحك على الآخر بعدم الحديث عما يؤلمه بقوة.
_يمامة وقفت على شباكي وأنجبت صغيرين
والله هذا شيء لطيف جدا.

أحد الأفراخ كان متشوقا لاكتشاف العالم فطار. والآخر ظل خائفا عدة أيام حتى طار. فجأة طارت أمهما من عليهما لم تعد تجلس وتدفئهما . كانا يرتعشان كلما اقتربت منهما.

اتهمها ابني الصغير ولعنها قائلا:
أم قاسية كيف تتركهما دون طعام أليست خائفة عليهما.
بت أغالب دمعي كيف أتعامل مع صغيرين أرسلهما لي الله.
في الصباح قررت أن أطعمهما. تحسست حويصلتهما وجدت بقايا طعام . من أطعمهما لا أعرف؟ أخذتهما من العش ووضعت الأرز في الماء حتى يلين فلا يؤذيهما أحضرت :سرنجة” من أجل الماء وبدأت في فتح منقاريهما لإطعامهما وسقيهما . هما ليسا مجبرين على فتح منقاريهما ليد غريبة. فأنا لست أمهما حتى يفعلا ولن يفرحا بيدي وهي تحمل لهما الطعام . سيظلان خائفين. أجبرتهما على فتح المنقار وقع نصف الأرز وأنا أطعمهما. لكنى كنت مرتاحة الضمير تماما لقد أنقذتهما من الموت.
كنت أجلس في بهو الشقة أعد بعض ما طلب مني في الجامعة. فجأة سمعت صوت ابني يناديني. ماما .. ماذا يا حبيبي؟ جاءت جاءت. من التي جاءت؟! اليمامة. تضحك علي ؟! والله جاءت أرني… بهدوء حتى لا تخاف وتهرب لا تخف لن أزعجها
وقفت أتأمل تفقدها لأبنائها وفرحة جناحيهما بضربات متلاحقة وهز للأعناق كأنهما في حضرة صوفية وصوتا رقيقا ينم عن عمريهما الصغير .
قبضت على واحد، ثم بدأت في إطعامه بشكل عنيف . كان يفتح فمه ويضع منقاره في منقارها . بدا مستمتعا جدا مطمئنا وهو يطعم . نعم لم أكن يمامة ولا أمه حتى يطمئن. ظللت أراقب حركتها عدة أيام وجدتها تأتي كل فترة تطمئن عليهما وتطعمهما ثم ترحل. قلت لابني بعد عدة أيام _لم تكن أما قاسية ، لو ظلت تنام فوقهما لماتا طارت لتعلمهما كيف الحياة؟
بعد عدة أيام وجدت الفرخ الذي فقس أولا تشتد قدماه . كانت لديه الجرأة أن يترك العش، ويتجول قريبا منه ترك ضلفة الشباك التى يستند عليها العش وتقف حائلا بينه وبين الحديقة، وقرر أن يكتشف الحياة كان يحاول أن يجرب جناحيه، عدة مرات يرفعهما ثم يضعهما بجانبه ويقرر أن يمكث ، ثم ينتظر أمه حتى تأتي فتطعمه لم تعد تخجل مني وهي تطعمها . فجأة لم أجده انشغلت للحظة بورقة طالب قرر أن ينجح ويجيب كل أسئلة الامتحان بشكل صحيح . وما إن رفعت نظري حتى وجدت الفرخ الذي تجرأ غير موجود. والفرخ الآخر في العش بكيت بعنف كيف سيبقى وحيدا ربما ستنساه أمه. للمرة الثانية قررت أن أطعمه.أخذته وبدا خائفا ولكنه كان قويا عن المرة الأولى لقد أصبح ريشه جميلا وطويلا يميل للبني مختلطا بالرمادي مع البنفسجي و لون أبيض يملأ منطقة صدره . ما إن أطعمته ووضعته في عشه حتى جاءت أمه. وقفت بعيدة عن العش . حرك جناحيه فرحا بها مغردا بصوته الصغير . كأنها تأمره أن يتحرك ؛ فتحرك قليلا عن العش ومشى على السور غادر النظر للحياة من خلف فتحات الشباك إلى الاشتباك مع الحديقة عبر السور الذي يقف عليه والشباك المفتوح.
ما إن وصل إلى أمه حتى أطعمته بعنف وهو سعيد بهذا العنف. ثم جاء والده على ما أعتقد نظر طويلا ثم أخذ الأم في جولة. ظل الصغير يكتشف جناحيه ويدربهما على الطيران ظل على هذه الحال عدة أيام وأنا سعيدة به أنظر إليه من خلف زجاج الحجرة وأطمئن . وهو ينظر إلى من خلف الزجاج . يتأملني أنا الكائن الغريب ، الذي يطعمه فيخاف منه لكنه مطمئن . صحوت في يوم جميل لم أستمع إلى فيروز كعادتي في الصباح بحثت عنه في العش على السور في الحديقة لم أجده.
ابتسمت أمي ثم قالت لي:
هل تعرفين لغة الطير الذي تعلمها سليمان. ماذا تقول اليمامة عند غنائها؟! لم تنتظر الإجابة وأردفت قائلة مقلدة صوت اليمامة : “وحدوا ربكم”.
– رددت نعم قلت لي ذلك من قبل وأنا في عمر اليمام الصغير الذي طار ولكن هل تم التوحيد، ولماذا التوحيد؟ إنه نظام الكون يا أمي كل شئ له رئيس الشركات والمصانع والمطاعم . هكذا نفعل في الحياة .الحياة زوجان . النظام والعمل وحدوي ، والحياة زوجية. الموت أيضا وحدوي لأنك ستكون مع الله . لا أحد يشاركك الموت ربما يشاركك الناس بالدعاء لك. هل ينفع الدعاء أسر الميت وانتشاله بعيدا عن الموت!!!
حتى الله ترك لي وحيدا فقط يجب أن أسعد من أجله، وأحب الحياة ليتعلم الطيران . ووحيدا مات . يجب أن أشتاق للموت من أجله. إنها الحياة يا أمي زوجين في كل شئ وتوحيد في نفس الوقت. هل الازدواجية أمر إلاهي للبشر، والوحدانية تفرد للذات العلية. لهذا أنت وحيدة يا أمي وأنا وحيدة لأننا مع الله.
بعد عدة أيام من عدم حضور أسرة اليمام. جاءت الشغالة أهالت التراب من على الشباك المغلق ، ورمت العش وفتحت الشباك على الحديقة. لكن أبت ضلفة الشباك إلا أن تغلق؛ فظلت ضلفة مفتوحة على الحديقة، وضلفة مغلقة من غير عش.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

” لبنان ” بلا دواء

بقلم الكاتب الإماراتي- احمد ابراهيم نَغمةُ البارود والدّيناميت والألغام والصواريخ والمتفجّرات ليست جديدة على شعب ...